فرنسا في افريقيا: لماذا يدعم "ماكرون" الانقلاب في تونس؟

 

الكود 






سليم حكيمي.     كاتب صحفي من تونس.

        تحول التمرّد على فرنسا في القارة الإفريقية سمتا سياسيا. واستنفذت ديبلوماسية "ماكرون"(le petit poujadiste) كل وسائلها دون فرض موقعها في مستعمراتها القديمة. فهو أحد المتسببين في تراجع فرنسا مكانا ومكانة في افريقيا. فعنجهيته المتجاوزة ل" الجنرال ديغول" نفسه ، تجلّت في اعتماده على أبشع وزير للخارجية "ايف لدريان" في الثّلاثين سنة الاخيرة، الذي سهّل دخول السّيسي لأوربا.

        تخسر فرنسا حروب السّرديات، واندحر "ماكرون" في مناظرة مع الرّئيس الكونغولي في قضية التّوافقات الافريقية حيث خاطبه متأنّفا: "مازالت نظرتكم استعمارية وأبوية". تاريخيا،رام الجنرال ديغول" التاسيس لنظرية (France afrique) ،وهي أسوأ من نظام "الكومنولث البريطاني" الذي بقي رمزيا فقط. وحين استحال تطبيقها، تم استبدال الاستعمار المباشر بالارتباط الفرنسي الإفريقي. وفتم تركيز نظرية "القيادة من الخلف"( behind leading from). إذ ربطت تنمية 11 دولة افريقية بالفرنك الفرنسي وبنكها المركزي. وكبلت القارة باتفاقيات نهب ظاهرها فيه التنمية، وباطنها من قِبله السّلب والنهب. فمن بين 15 مادة اولية لللتّصنيع الغربي توجد ثلاثة عشر منها في إفريقيا.وهو ما جعل الرئيس "جاك شيراك" يطلب الكفّ عن نهب القارة. إذ أن طبيعة الاستعمار الفرنسي استيطاني ألغى فيه الجزائر من التاريخ والجغرافيا.دخلت افريقيا بعد ان احتلت الجزائر وكانت ترى انها ستخضعها باخضاع الحزاءر.
       
          دخل الصينيون افريقيا ولا يعنيهم من يحكم دكتاتورا يذبح شعبه أم يُكرمه، فالمهم هو المال والأعمال. ثم دخل الرّوس تسعة بلدان افريقية عن طريق "فاغنر" وطردوا الفرنسيين في اربعة منها: افريقيا الوسطى، و بوركينافاسو ، وغينيا ودولة مالي التي استكشفت ان فرنسا التي جاءت بزعم مقاومة الارهاب صارت تدعمه سرّا.إذ تورطت شركة "لافارج" الفرنسية في تمويل داعش.. بدأت دول افريقية تتحدى سطوة باريس. واستهجنت النخبة السينغالية زيارة مارين لوبان" زعيمة الحزب العنصري. ونظمت قمم افريقية روسية ويابانية وامريكية مشتركة، وهو ما شوّش على احتكار فرنسا لنفوذها في افريقيا.ففي الصّراع الامريكي الصّيني تاتي افريقيا في قلب الصراع، و"عندما يتفقون يقتسمون ما نهبوه منا،و عندما يختصمون يتصادمون على ارضنا" كما قال "العربي زيتوت".
فرنسا رمز ما تبقى من الاستعمار الكلاسيكي. وكثف دخول الصين والروسي العنيف وسوء الاوضاع في فرنسا ومواقع التواصل الاجتماعي الوعي بدورها المتوحّش في افريقيا. وخلافا للمدرسة الالمانية التي تركّز على الاقتصاد بل على الثّقافة واللّغة، فان بقيت الثقافة في بلد ما فرنسية بقي فيؤُه كاملا. يمثل الاتحاد الافريقي 54 دولة قوة ديبلوماسية وتصويتية في المنظمات الدولية. عدد سكان القارة 1.2 مليار نسمة. وكل الخشية من توحدها ضد اختلال النظام العالمي الذي رسمه الغرب المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية. والأصل في تونس ان يتهاوى احترامها كلعبة الدُّومينو. ولكن ظلّ بورقيبة طوال عهد حكمه، يضع على مكتبه صورة رئيس الوزراء الفرنسي "منداس فرانس" في دلالة ان الاستقلال مِنّة من المستعمر. حيث لازالت طبقة الرّخص السّياسي الوفيّة لمبادئ الاستخذاء ترى فيها انموذجا القدوة.

            إن جلست فرنسا على طاولة المنتصرين بعد الحرب العالمية الثانية، فان الفضل يعود الى جنود المستعمرات. ولكّنها دولة مارقة قابلت الإحسان بالنّكران، وقتلت يوم 8 ماي 1945، 45 الف جزائري في يومين ،بعد أن حارب ذووهم معها.

             في الجوهر، يحتاج المشروع الغربي إلى طغاة، فللحكام الأوربيين سياسة آثمة في جنوب المتوسّط و نظرية ليست اقل منها إثما ، مفادها ان التعامل مع الحكام الدكتاتوريون في الضفّة أفضل من المنتخبين ديمقراطيا حيث يتفاهم معهم على تحقيق المصالح التي تريدها اوربا. وهو ما يفسّر عصفها بالنّظام البرلماني . وبينما تتوهج مشاعر السيادة في افريقيا، يُوسد الأمر للكلاب المسعورة للقيام بالدّور الملتبس لقطع تونس من ايّة وشيجة عربية و الابقاء فقط على الحبل السّري الثقافي الفرنسي. و هي التي لا ترى في الاسلام سوى عدو خاصة ،انها لاقت عنَتا من الصّوفية في افريقيا حيث قاد "الشيخ ابراهيم" إمام أكبر مسجد في "باماكو" عاصمة مالي أكبر حملة ضدّ وجودها . بينما استقبل الوجود التركي باحترام بالغ، لأنّها قابلت شعوبها عالية الجبين اذا لا تملك تاريخا استعماريا في افريقيا تخجل منه. ففتحت تركيا 55 سفارة في افريقيا، و بينما تقطع بلادنا وشائج الودّ معها.

من صفحة الأستاذ سليم حكيمي على الفيس 

                   

إرسال تعليق

Merci de laisser un commentaire je vous garantis la lecture et la réponse.

أحدث أقدم

المسجد الأقصى في القرآن